تشير القرائن التاريخية إلى تواجد البهائيين في البحرين منذ العقود الأولى لنشئة الدين البهائي، فأهالي الخليج كانوا من ضمن أوائل من استقبلوا المبادئ والتعاليم السامية التي جاء بها حضرة بهاء الله حيث آمن عدد منهم برسالته.  وقد ساهم الترابط الاجتماعي بين الأهالي في مختلف أرجاء المنطقة وروح المودة التي تميز بها سكان الخليج عموما والبحرين على وجه الخصوص على احتضانهم والتعايش معهم بكل ود ومحبة، فهم أبناء هذه المجتمعات وجزء لا يتجزأ من نسيجها. والبهائيون في البحرين يعملون مع إخوتهم في الجيرة والوطن من أجل رقي وتقدم وطنهم الحبيب بكل عزم وتفان. 

تاريخ البهائية في البحرين

يعود تاريخ البهائية في البحرين إلى اللحظات الأولى لانبثاق نور هذا الدين الجديد، فقد كانت البحرين مُقاما لعالم دين جليل هو الشيخ أحمد بن زين الدين بن ابراهيم الاحسائي (١١٦٦هـ إلى ١٢٤١هـ) الذي كان أحد أهم من بشروا علنا بقرب ظهور موعود سماوي ورسالة إلهية جديدة. اتخذ الشيخ أحمد الاحسائي وطلابه من البحث عن الرسول الجديد والتبشير بقرب ظهوره منهاجا للحياة، فقد شد الرحال متنقلا بين مختلف مدن وأرجاء المنطقة يبحث شرقا وغربا ويبشر الناس ويهيئهم لتلقي النبأ العظيم. واتبعه في ذلك عدد ليس بقليل من مريديه وطلابه. وافته المنية قبل ظهور الدين الجديد بسنوات قلائل إلا أن بعضا ممن تتلمذوا على يديه وحملوا أفكاره كانوا من أوائل الذين آمنوا بهذا الظهور.
 

الفنانة التشكيلية نغمة محسني في أحد معارض الرسم التشكيلي

من البهائيين المعروفين في البحرين المرحوم أحمد یوسف محسني، ابن منطقة (فريج) العوضیة بالمنامة من موالید عام 1919م، كان شخصیة محبوبة ومحبة للخیر وعرف عنه مد ید العون والمساعدة لكل من ھو في حاجة. عمل في مجال دلالة الأراضي وكانت له علاقات متمیزة مع كبار الشخصیات في المجتمع البحریني. الصورة المحاذية صورة ابنته الفنانة التشكيلية نغمة محسني في أحد معارض الرسم التشكيلي.

شخصية أخرى عرفها أهل البحرين المرحوم حبيب عبدالعزيز الأنصاري ووالدته التي كانت أول قابلة رسمية في البحرين ويبدو أن الاهتمام بهذا الجانب الإنساني تم توارثه في عائلة حبيب، فابنته درست التمريض وكانت ضمن الممرضات الأوائل في البحرين ولها تاريخ حافل بالإنجازات في مجال الخدمات الإنسانية والاجتماعية.

الصورة المحاذية المرحوم حبيب عبدالعزيز الأنصاري مع زملائه موظفي ادارة البريد.

المرحوم حبيب عبدالعزيز الأنصاري مع زملائه موظفين ادارة البريد (من اليمين: رابع شخص من الجلوس)

أھم ما یمیز التواجد البھائي في البحرین ھو عدم تمركز البھائیین في أحیاء أو قرى معینة بل انتشارھم في مختلف مناطق وقرى البحرین، متآلفين مع مختلف مكونات المجتمع البحریني المتمیز بالتسامح وتقبل الآخر، يعملون مع الجميع من أجل خدمة وطنهم ورقي بلادهم والمساهمة في بناء عالم أفضل، مدفوعين بحبهم للوطن واعتقادهم بأهمية خدمة الإنسان كواجب وجداني وإيماني مقدس.

المهندس حسن كرمستجي (أحد الطلاب يقف على اليمين في أول صف التقطت الصورة في مدرسة الهداية الخليفية في خمسينيات القرن الماضي)

المرحوم غلام حسين كرمستجي والد المهندس حسن كرمستجي كان ممن عايش تجربة التنوع الديني والمذهبي التي تميزت بها سوق المنامة منذ بدايات القرن الماضي، حيث المحلات الصغيرة المتجاورة التي تعكس طبيعة البحرين المتسامحة، وكثيرا ما تحدث عن جمال التنوع الذي كان يسمح لك أن تجد في مسافة أقل من 100 متر السني والشيعي والمسيحي واليهودي والبهائي والبهرة والهندوسي متجاورين متعاونين يتعاملون بمنتهى المحبة دون أي إحساس بالطائفية أو التعصب. بدأ غلام حسين حياته في مهنة الخياطة ثم تدرج إلى أن أصبح تاجراً معروفاً للأقمشة.

المهندس حسن كرمستجي هو من أوائل البحرينيين الذين عملوا كمخطط عمليات التكرير في المصفاة بشركة نفط البحرين بعد أن كانت هذه الوظيفة حكرا على الأجانب وقام بتدريب عدد كبير من الشباب البحريني للعمل في هذه الإدارة الهامة، وفي عام 1982 عين كأول بحريني في "تخطيط انتاج المصفاة" وأشرف على بحرنة هذه الوحدات الهامة.

المرحوم رحمة الله جابري، كان شخصية أخرى في ذاكرة البحرين تميزت بالتواضع والقناعة. عمل محاسباً ومسئولاً عن التوظيف في إحدى الشركات البحرينية الكبرى؛ حيث حرص على إتاحة فرص العمل لمن هم في حاجة حقيقية لمصدر دخل لسد احتياجاتهم المعيشية. سكن مع عائلته في مدينة المنامة في فريج الذواودة وفريج العوضية ثم انتقل إلى قرية توبلي. زوجته خيرية والتي عرفت في المجتمع بـ "خير النساء" كانت معالجة شعبية محبوبة وكانت عوناً لزوجها في مساندة من هم في حاجة.

ومن بين ذريته السيدة طاهرة ،عملت في خدمة المجتمع كممرضة متخصصة في ستينيات القرن الماضي في مستشفى السلمانية ثم وزارة الصحة، وبعد ذلك ساهمت ولازالت تساهم في العديد من الأنشطة الاجتماعية الخدمية.

السيدة طاهرة جابري تشارك من قبل مدرسة التمريض في احتفالات عيد الجلوس سنة 1961م

على سبيل المثال مع بداية كل رمضان كنا نتشارك مع اصدقائنا بالتجهيز للقرقاعون ونقوم كأطفال بصنع الطبول والفريسة للاحتفال بليلة القرقاعون وكنا نجوب الفرجان غناءً ورقصاً وفرحاً.  في شهر محرّم كنا نذهب مع إخوتنا الشيعة للمآتم، وفي اليوم العاشر من محرّم كانت تدب الحركة في الفريج من الصباح الباكر فالجميع من مختلف المذاهب والأديان يذهبون لمشاهدة مواكب العزاء. عيدا الفطر والاضحى كانا أعياداً لنا أيضا وكان والدي حريصاً على أن نلبس الجديد ونشارك جيراننا فرحتهم. العيدية لم تكن تعرف مذهباً او ديناً بل كانت من نصيب جميع الأطفال لأن الأولوية لدى والدي ولكبار الفريج كانت الحفاظ على روح الأخوة والمودة بين الجميع".

يروي فريد إبن المرحوم عبدالوهاب أحمد شيخي عن ذكريات الطفولة في فريج الزياني بالمحرق "كان والدي حريصاً على أن تتكون لدينا مشاعر المودة والصداقة مع جميع أبناء الفريج بمختلف أطيافهم، لم نكن كأطفال نشعر بالفوارق وكان والدي حريصاً أن تبقى مشاعرنا نقية بعيدة عن أي تعصب.  الفريج كان يضم مختلف الفئات فهناك إخوتنا المسلمين من سنة وشيعة وهناك الهندوس الذين كانوا يعملون في تجارة الذهب والمسيحيون وكان أغلبهم من الأطباء والممرضين كما كانت هناك سيدة يهودية اسمها أم جان تعمل قابلة قانونية".  يضيف فريد: "الحياة في تلك الفترة كانت بسيطة، الأبواب دائما مفتوحة والبيوت ترحب دوماً بالزائرين. حياتنا الاجتماعية كانت مشتركة والجميع كان يشارك في إحياء المناسبات دون تمييز لمذهب أو أصل.

لا يكتمل الحديث عن البهائية في البحرين دون التطرق إلى شخصية عرفها وتحدث عنها الكثير من مفكري وأدباء البحرين
هو أبو القاسم فيضي، من الشخصیات البھائیة المرموقة والمعروفة عالمیا، سكن البحرين واعتبرها وطناً له (تفاصيل أكثر).

 

ما سبق ليس إلا أمثلة قليلة جداً من بعض العوائل البحرينية البهائية، فقائمة الشخصيات البهائية البحرينية حافلة بأسماء كثيرة لرجال وسيدات أخلصوا لمجتمعهم وكانت لهم مساهمات في عملية تنمية وتطور البحرين الحديثة.

 البهائيون في البحرين عبر الأجيال

© 2020 حقوق النشر محفوظة

البهائيون في البحرين